السرخسي
169
المبسوط
وللفقهاء في معنى مثل هذه الألفاظ طريقين أحدهما الحمل على حقيقته انه يطوق ذلك الموضع في القيامة ليعرف به ما فعله ويكون ذلك عقوبة له كما قال عليه الصلاة والسلام لكل غادر لواء يوم القيامة يركز عند باب استه تعرف به غدرته والمراد به بيان شدة العقوبة لا حقيقة ما ذكر من أنه يطوق ذلك الموضع من الأرض يوم القيامة فقد قال الله تعالى يوم تبدل الأرض غير الأرض وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا تمنعوا الماء مخافة الكلأ يريد به أن صاحب البئر إذا كان له مرعي حول بئره فلا ينبغي له أن يمنع من يستقى الماء من بئره لنفسه أو لظهوره مخافة أن يصيب ظهره من ذلك الكلأ لان له في حق الشقة في ماء البئر فلا يمنعه حقه ولكن يحفظ جانب أرضه وما فيه من الكلأ حتى لا يدخل دابة المستقي في ذلك الموضع وان شق عليه ذلك أخرج إليه من الماء مقدار حاجته وحاجة ظهره وعن نافع رفع حديثه إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال لا تمنعوا أحدا ماء ولا كلا ولا نارا فإنه متاع للمقوين وقوة للمستعينين والمقوي هو الذي فنى زاده والمستعين هو المضطر المحتاج وقد بينا أن صاحب الشرع عليه الصلاة والسلام أثبت بين الناس في هذه الأشياء الثلاثة شركة عامة بطريق الإباحة فلا ينبغي لاحد أن يمنع أحدا مما جعله الشرع حقا له وإذا كان لرجل نهر أو بئر أو قناة فليس له أن يمنع ابن السبيل أن يسقى منها فيشرب ويسقى دابته وبعيره وشياهه فان ذلك من الشقة والشقة عندنا الشرب لبنى آدم والبهائم وهذا لان الحاجة إلى الماء تتجدد في كل وقت ومن سافر لا يمكنه أن يستحصب الماء من وطنه لذهابه ورجوعه فيحتاج إلى أخذ الماء من الابار والأنهار التي تكون على طريقه وفي المنع من ذلك حرج وكما يحتاج إلى ذلك لنفسه فكذلك يحتاج إليه لظهره لأنه في العادة يعجز عن السفر بغير مركب وكذلك يحتاج إلي ذلك للطبخ والخبز وغسل الثياب وأحد لا يمنع أحدا من ذلك فإن كان له جدول يجرى فيه الماء إلي أرضه وبجنب ذلك الموضع صاحب ماشية إذا شربت الماشية منها انقطع الماء لكثرة المواشي وقلة ماء الجدول فقد اختلف المتأخرون رحمهم الله في هذا الفصل منهم من يقول هذا من الشقة وليس لصاحب الجدول ان يمنع ذلك وأكثرهم على أن له أن يمنع في مثل هذه الصورة لان الشقة ما لا يضر بصاحب النهر والبئر فاما ما يضر به ويقطع حقه فله أن يمنع ذلك اعتبارا بسقي الأراضي والنخيل والشجر والزرع فله أن يمنع من يريد سقي نخله وشجره وزرعه من نهره أو قناته أو بئره